كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل، فهو ظاهر السقوط. لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع، والزيادة في الأوقات المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية.
وأما صلاة العصر، فقد دلت نصوص السنة على أن لها وقتًا اختياريًا، ووقتًا ضروريًا، أما وقتها الاختياري فأوله عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، ويدخل وقتها بانتهاء وقت الظهر المتقدم بيانه، ففي حديث ابن عباس المتقدم «فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله».
وفي حديث جابر المتقدم أيضًا: «فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله» وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر، كما صرحت به الأحاديث المذكورة وغيرها.
وقال الشافعي: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة.
قال مقيده- عفا الله عنه- إن كان مراد الشافعي أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور لا مخالف له، وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة مع أن الظاهر إمكان تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما. وشذ أبو حنيفة- رحمه الله- من بين عامة العلماء فقال: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرًا كان أول وقت العصر.
ونقل النووي في شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة- رحمه الله- وحجته حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين». فقال أهل الكتاب: أي: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا ونحن أكثر عملًا. قال الله تعالى: «هل ظلمتكم من أجركم من شيء، قالوا: لا قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء». متفق عليه.
قال: فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس وهو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ضرب المثل لا بيان تحديد أوقات الصلاة، والمقصود من الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة، وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها مع أن الحديث ليس فيه تصريح بأن أحد الزمنين أكثر من الآخر وإنما فيه أن عملهم أكثر، وكثرة العمل لا تستلزم كثرة الزمن لجواز أن يعمل بعض الناس عملًا كثيرًا في زمن قليل، ويدل لهذا أن هذه الأمة وضعت عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم.
قال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس وخالفه أصحابه، فإذا تحققت أن الحق كون أول وقت العصر عندما يكون ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال.
فاعلم أن آخر وقت العصر جاء في بعض الأحاديث تحديده بأن يصير ظل كل شيء مثليه، وجاء في بعضها تحديده بما قبل اصفرار الشمس، وجاء في بعضها امتداده إلى غروب الشمس، ففي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيانه لآخر وقت العصر في اليوم الثاني، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وأحمد، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، وفي حديث أبي موسى عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي، ثم أخر العصر فانصرف منها والقائل يقول: احمرت الشمس، وروى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع نحوه من حديث بريدة الأسلمي، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول.
وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه: ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.
والظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات في تحديد آخر وقت العصر أن مصير ظل الشيء مثليه هو وقت تغيير الشمس من البياض والنقاء إلى الصفرة، فيرول معنى الروايتين إلى شيء واحد، كما قاله بعض المالكية.
وقال ابن قدامة في المغني: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها، وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبًا من الآخر. اهـ. منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري.
وأما الروايات الدالة على امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ، ويدل لهذا الجمع ما رواه الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا» ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده بلا عذر، وأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس: أي غيبوبة قرصها بإجماع المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل «فصلى المغرب حين وجبت الشمس»، وفي حديث سلمة بن الكوع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب». أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، والأحاديث بذلك كثيرة، واختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض العلماء: ليس لها إلا وقت واحد وهو قدر ما تصلي فيه من أول وقتها مع مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي: وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل هذا القول أن جبريل صلاها بالنَّبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا: فلو كان لها وقت آخر لأخرها في الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات غيرها.
والتحقيق أن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق. فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق» الحديث والمراد بثور الشفق: ثوراته وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس أنه حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم وحديث بريدة المتقدم عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وفي لفظ «فصلى المغرب قبل سقوط الشفق»، والجواب عن أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز وهذا جار في كل الصلوات ما سوى الظهر.
والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.
والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادًا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها قاله الشوكاني- رحمه الله- ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة المغرب عند أول وقتها ومذهب الإمام مالك- رحمه الله- امتداد الوقت الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر.
وقال البيهقي في السنن الكبرى: روينا عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضًا من أنه صلى الله عليه وسلم: «جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر»، فقد روى الشيخان في صحيحهما عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النَّبي صلى الله عليه وسلم: «صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء» ومعناه: أنه يصلي السبع جميعًا في وقت واحد والثماني كذلك كما بينته رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال: صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم: «سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا».
وفي لفظ لمسلم وأحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح.
وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر. وقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث ولا يكون بينها خلاف ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين، ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ «صليت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء» فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري فرواية النسائي هذه صريحة في محل النزاع مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور.
وقد تقرر في الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، وكذلك المحدثون وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان.
وبين القاصر من حيث السند ** أو الدلالة على ما يعتمد

ويؤيده ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال «يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه» وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس والراوي أدرى بما روى من غيره.
لأنه قد يعلم من سياق الكلام قرائن لا يعلمها الغائب، فإن قيل ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أيوب السختياني قال لأبي الشعثاء: لعل ذلك الجمع في ليلة مطيرة، فقال أبو الشعثاء: عسى. فالظاهر في الجواب والله تعالىأعلم أنا لم ندع الجزم أبي الشعثاء بذلك ورواية الشيخين عنه بالظن، والظن لا ينافي احتمال النقيض وذلك النقيض المحتمل هو مراده بعسى والله تعالى أعلم.
ومما يؤيد حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن عمر- رضي الله عنهم- كلاهما ممن روي عنه الجمع المذكور بالمدينة مع أن كلًا منهما روي عنه ما يدل على أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري.
أما ابن مسعود فقد رواه عنه الطبراني كما ذكره ابن حجر في فتح الباري.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار رواه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير والأوسط كما ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد بلفظ «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك فقال» صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي «مع أن ابن مسعود روى عنه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي أنه قال» ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها فنفى ابن مسعود للجمع المذكور يدل على أن الجمع المروي عنه الجمع الصوري. لأن كلًا من الصلاتين في وقتها وإلا لكان قوله متناقضًا والجمع واجب متى ما أمكن.
وأما ابن عمر فقد روى عنه الجمع المذكور بالمدينة عبد الرزاق كما قاله الشوكاني أيضًا مع أنه روى عنه ابن جرير أنه قال «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما» قاله الشوكاني أيضًا وهذا هو الجمع الصوري فهذه الروايات معينة للمراد بلفظ جمع.
واعلم أن لفظة جمع فعل في سياق الإثبات، وقد قرر أئمة الأصول أن الفعل المثبت لا يكون عامًا في أقسامه.